ابن كثير

138

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير )

إياها كما أعطاكموها كما قال تعالى " هو الذي أنشأكم وجعل لكم السمع والابصار " الآية ويحتمل أن يكون هذا عبارة عن منع الانتفاع بهما الانتفاع الشرعي ولهذا قال " وختم على قلوبكم " كما قال " أمن يملك السمع والابصار " وقال " واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه " وقوله " من إله غير الله يأتيكم به " أي هل أحد غير الله يقدر على رد ذلك إليكم إذا سلبه الله منكم لا يقدر على ذلك أحد سواه ولهذا قال " انظر كيف نصرف الآيات " أي نبينها ونوضحها ونفسرها دالة على أنه لا إله إلا الله وأن ما يعبدون من دونه باطل وضلال " ثم هم يصدفون " أي ثم هم مع هذا البيان يصدفون أي يعرضون عن الحق ويصدون الناس عن اتباعه . قال العوفي عن ابن عباس : يصدفون أي يعدلون . وقال مجاهد وقتادة : يعرضون . وقال السدي : يصدون . وقوله تعالى " قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله بغتة " أي وأنتم لا تشعرون به حتى بغتكم وفجأكم " أو جهرة " أي ظاهرا عيانا " هل يهلك إلا القوم الظالمون " أي إنما كان يحيط بالظالمين أنفسهم بالشرك بالله وينجو الذين كانوا يعبدون الله وحده لا شريك له فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون كقوله " الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم " الآية ، وقوله " وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين " أي مبشرين عباد الله المؤمنين بالخيرات ومنذرين من كفر بالله النقمات والعقوبات ولهذا قال " فمن آمن وأصلح " أي فمن آمن قلبه بما جاؤوا به وصلح عمله باتباعه إياهم " فلا خوف عليهم " أي بالنسبة لما يستقبلونه " ولا هم يحزنون " أي بالنسبة إلى ما فاتهم وتركوه وراء ظهورهم من أمر الدنيا وصنيعها الله وليهم فيما خلفوه وحافظهم فيما تركوه ، ثم قال " والذين كذبوا بآياتنا يمسهم العذاب بما كانوا يفسقون " أي ينالهم العذاب بما كفروا بما جاءت به الرسل وخرجوا عن أوامر الله وطاعته وارتكبوا من مناهيه ومحارمه وانتهاك حرماته . قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ملك إن أتبع إلا ما يوحى إلي قل هل يستوى الأعمى والبصير أفلا تتفكرون ( 50 ) وأنذر به الذين يخافون أو يحشروا إلى ربهم ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع لعلهم يتقون ( 51 ) ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغدوة والعشي يريدون وجهه ما عليك من حسابهم من شئ وما من حسابك عليهم من شئ فتطردهم فتكون من الظالمين ( 52 ) وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين ( 53 ) وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة أنه من عمل منكم سوء بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فإنه غفور رحيم ( 54 ) يقول الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم " قل لا أقول لكم عندي خزائن الله " أي لست أملكها ولا أتصرف فيها " ولا أعلم الغيب " أي ولا أقول لكم إني أعلم الغيب إنما ذاك من علم الله عز وجل ولا أطلع منه إلا على ما أطلعني عليه " ولا أقول لكم إني ملك " أي ولا أدعي أني ملك إنما أنا بشر من البشر يوحى إلي من الله عز وجل شرفني بذلك وأنعم علي به ولهذا قال " إن أتبع إلا ما يوحى إلي " أي لست أخرج عنه قيد شبر ولا أدنى منه " قل هل يستوي الأعمى والبصير " أي هل يستوي من اتبع الحق وهدى إليه ومن ضل عنه فلم ينقد له " أفلا تتفكرون " وهذه كقوله تعالى " أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى إنما يتذكر أولو الألباب " . وقوله " وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع " أي وأنذر بهذا القرآن يا